السيد محمد حسين فضل الله
81
من وحي القرآن
يعيش جدّية الإيمان ، بل يمارسه بطريقة شكلية انتهازيّة ، ويوحي لنا ، بأن مظاهر التمرّد على الحقائق وعلى الأنبياء ، تمثل الدليل الواضح على أنهم يفقدون في داخلهم واقعية الإيمان ، لأن الذي يعيش الإيمان حقيقة في الداخل ، لا يهرب من الدعوة إلى التفكير والحوار ، ولا يواجه النبوات والأنبياء بالتمرّد والعدوان ، بل يحاول الوقوف من ذلك موقف الإنسان الذي يريد أن يفحص المسألة من موقع الباحث عن الحقيقة . إننا نفهم من الآية أنها تريد أن تفرّق بين واقع الممارسة وشكلية الانتماء ، لتبيّن الهوّة العميقة التي تفصل بينهما ، ولهذا جاء التعبير بقوله : مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ للإيحاء بأنهم لم يأخذوه بشكل عمليّ . هذا من الجانب التفسيري للآية ، أمّا ما نلاحظه من شمول الحكم بأخذ الجزية من الجميع ، فقد يرجع إلى دليل آخر في ما نستفيده من غير الآية . وقد يرجع إلى اعتبار الظاهرة البارزة في مجتمعهم ، كأساس لتغليب الحكم على الجميع ، باعتبار أن التفريق بين فريق وفريق في مجتمع مختلط لا يعتبر أمرا عمليّا . وربما استوحينا الموضوع من دراسة طبيعة هذا الإجراء الذي لا يراد من خلاله السيطرة الذاتية التي تتحرك من موقع العقدة ، بل يراد منه السيطرة من خلال التنظيم ، لأن المجتمع الذي تحكمه عقيدة معينة ، بحيث يكون الحكم فيه ملتزما بخطّ معيّن ، لا بد من أن يملك حكم أفراده الذين يؤمنون بتلك العقيدة ، من خلال التزامهم العقيديّ الذي يحركهم نحو الطاعة والخضوع للنظام ، أمّا الأفراد الذين لا يؤمنون بها ، ولا يجدون أيّة حالة دينيّة أو فكريّة تفرض عليهم الالتزام ، فلا بد من أن يحكمهم من خلال إخضاعهم للسلطة على أساس حالة تعاقديّة لا يكون فيها الحكم مجرد طرف اختياريّ في التعاقد في مواجهة الطرف الآخر ، بل يكون الطرف الأقوى الذي يفرض السلطة على